بيني وبينك

لأنني لست وحدي من أمارس فعل الحياة .. كان لا بد لي أن أشاركك جزءاً من حياتي


صباحك يا دبي

    أجلس على مكتبي الآن في صباح دبيّ المزدحم. أطل من الجدار/ النافذة إلى الأزرق المستلقي في الأسفل هناك يستقبل حب الشمس بكامل ابتلاله،  تدغدغه نوارس الشمال البارد،  وتمخر فيه  بلا رحمة مراكب الريح فتزعج لحظات استرخائه. وفي أذني يتردد مزمور أصفهان، هذا الحب المنهمر من القلب إلى الفكر، إلى الأيدي، إلى الأوتار، إلى المدى، متسائلة كعادتي كيف أستطاع مؤلفه أن يغدق بكل هذا الجمال على تلك الناقة البرية.

 

    انتقلت حديثاً جداً إلى هذه المدينة العابقة بغبار البناء الجديد والسيارات الصغيرة المتكدسة. منذ لحظاتي الأولى هنا أدركت أن دبي مدينة لا ترحم، تمتصك بكل ما أوتيت من جبروت. لا أحد فيها يلتفت لك أو حتى ينتبه لوجودك ، كيف يفعل وهي تبتلع المئات بشكل يومي وتدخلهم دورة رحاها!

 

    الأقرباء/ الأصدقاء/ الغرباء فيها كلهم غائبون عنك، وأنت بالطبع غائب عن نفسك.

كيف تسكن في نفسك وأنت تصحو قبل أن تنام لتنجزأعمالها وترضي رغباتها ثم تعود للمكان الذي ربما تسميه بيتك/ غرفتك/ سريرك فارغاً إلا من وحدتك لتستعد لمعركتك مع الازدحام في اليوم التالي.

    لكنك رغم قسوة هذه المدينة النزقة، تقصدها، و تقع على غفلة منك في حبها، وربما تضيع عمرك قبل أن تتمكن من التخلص من أسرها.

 

    ها هو صباح جديد فيك يا دبي، صباح مليء بالمباني والسيارات والبشر والنوارس. صباح محمل بالحب والشهوة، يقابله العمل المكدس على مكاتب سكانك وبعد يلاحق كل حلم قريب.

   

    آه يا مراهقة الخليج التي لا تشبع رغبتها أبداً. أخبريني متى ستنضجين؟!

وفيك نحن نعود مراهقين، فيك نعود للقلق الوجودي مرة أخرى، فيك نقابل حلمنا على غفلة وفيك أيضاً نلاقيه سراباً بعد حين.

 

وأنا هنا

أتيتك مثل كل الهائمين

أراك مثلهم في كل يوم تكبرين

لكنني أدرك  يا جميلة الصحراء

عند كل صباح ألاقيك فيه

عند كل مساء أودعك فيه لأراك ثانيةً

في كل لحظة تبعدين عني أحبائي

وفي كل دقيقة تمتصين فيها لغتي و صمتي

أدرك يا مدينة الترحال

أنك ستظلين غريبة عني

 وأنا ما دمت فيك

 سأظل غريبة عن نفسي.

 
فرح برقاوي
 
دبي
الأحد 18/2/2007
 
مجلات ومواقع نشرت هذه المادة:
  • فلسطين الشباب،سبتمبر/أيلول 2007، العدد التاسع، على الرابط التالي
  • الحوار المتمدن، العدد 2027، على الرابط التالي:
 
 
 
 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 05 سبتمبر, 2007 02:03 م , من قبل sama77
من فلسطين

يا مية هلا نورت جيران بأحلى فرح ..

هل تعرفي .. أنني قرأت هذا النص سابقاً و ألمحت للسيدة زينت أنني أود أنا أنشره عندي في مدونتي .. لكنها لم ترد علي أو ربما لم تفهم تلميحي.. كان هذاالنص سبب اهتمامي في متابعة مدونتك في مكتوب.. هنا في جيران ستجدين مساحة أكبر و أوسع و أعتقد أنك ستحبين الكثيرين .. لكن لا أخفيك أن هناك أيضاً بعض من لا ترتاحي لطريقتهم في التفاعل.. لكنها الحياة يا عزيزتي .. أنا الآن مضطرة أن أذهب.. غداً صباحاً سأهتم بأن أعرف بعض المتنورين على مدونتك ..

سلامات :)

اضيف في 25 مايو, 2008 05:39 م , من قبل زينب الغنيمي
من فلسطين

أيا فرح,هذه الصباحات تمر وانت في دبي لنعدها سويا أقفلت عام ونصف, وتغير وجه الصباح القديم بصباح يصافحك فيه وجه حبيب أترى لازالت دبي تشعرك بالغربة وتمتص لغتك الا زالت مجنونة الخليج تبتلع القاطنين فيها رغم مساحة العمرالبهي الذي تقتطعه منهم؟؟ أتمنى أن يتجدد احساسها بكما.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية









القائمة البريدية
من سأبقى معهم على اتصال دائم
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك
ما تراه بيني وبينك

الإسم الأول
اسم العائله
عنوان البريد الاٍلكتروني
التعليق
 


Palestine Blogs - The Gazette