بيني وبينك

لأنني لست وحدي من أمارس فعل الحياة .. كان لا بد لي أن أشاركك جزءاً من حياتي


كوستا كافيه

     في مقهى كوستا.. أو كوستا كافيه كما تفرضه علينا التسمية الدارجة الآن أجلس وحدي .. صباح يوم عمل آخر وأنا لا أعمل .. أنظر إلى وجوه الآخرين، وأطل من حائط الكافيه الزجاجي على من يسترقون سيجارة أو أكثر قبل العودة إلى مكاتبهم المزودة بإنذارات الحريق. ها أنذا هنا إذن ما زلت في دبي .. بعد أن توقفت عن انتظار التأشيرة لدخول شيكاغو واستكمال دراسة الماجستير لهذا العام وبعد أن تخليت عن عملي وسيارتي العنصر الذي ينافس الهواء والماء والغذاء في أهميته داخل مدينة الترحال.

 

     في محاولة للخروج من البيت صحوت اليوم مع زوجي، قطعت أكثر من 40 كيلومتراً معه للوصول إلى مدينة دبي للإنترنت حيث يعمل ومن ثم آخذ سيارته وأنطلق. لكنني بقيت في نفس المنطقة، دخلت إلى كوستا كافيه لأشرب الكافيه لاتيه وأحاول الولوج للشبكة اللعينة، لا، لم أستطع لأن مدينة دبي للإنترنت لا يوجد فيها إنترنت كما قد يعتقد البعض، كله باشتراك ومصاري.

 

     بعد شهر ونصف الشهر سأكمل عامين من الصراع في دبي.. هل تصدقون؟ أدري أن السنوات تمر بسرعة في كل مكان.. لكنها تمر هنا بسرعة مرهقة.. تمر على وجهك ويديك وقدميك وبالطبع معدتك التي تنتفخ يوماً بعد يوم وتقطعها خطوط عرضية تتحول إلى ثنايا "دبي".

 

     أحب كوستا كافيه.. ليس فقط لأنه واحد من أماكن قلة هنا تقدم القهوة بمذاق يمكنني احتماله.. بل لأنه أول مكان ربطتني به علاقة في هذه المدينة.. المكان الوحيد الذي كنت حين أقصده أعرف أنني أريده حتماً، ودون تردد أفضله على غيره. ليس ذنبي إن كنت أشعر بالانتماء لكافيه أو مقهى.. صدقوني.. على الأقل هذا الكافيه يشهد على أغلب أحاديثنا، فكل الأشياء الأخرى كالتسوق وتناول الغداء والسينما والعمل لا تدعو إلى أن تفتح قلبك أو تناقش أحداً أو تشكو من شيءٍ كما وأنت تشرب القهوة في مكان يمتعك بمجرد فنجان من القهوة.

 

     في هذه اللحظات يستحضرني البيت.. أستحضر كل البيوت التي سكنتها .. بيتنا في دمشق حيث اعتقدت أنني سأكبر فيه، بيوتنا المتعددة والمتغيرة في غزة.. البيت الذي سكنته في مصر .. والشقة التي أسكنها اليوم مع تامر في دبي. كنت أعيش في حالة ترحال دائمة بين البيوت.. لكن أحلام أمي بالبقاء كانت أقوى من حالة الترحال.. كانت تجعل من كل بيت بيتنا حقاً.. بشموعها ولوحاتها والصور التي يزداد عددها عاماً بعد عام .. بروحها كانت تجعل من الشقة المجردة بيتنا الذي ننتمي له.

 

     تعلمت أشياء كثيرة من أمي .. لكنني لم أكتسب قوة الحلم لديها .. لم أرث وصفتها السرية في البقاء وأراقب نفسي يوماً بعد يوم أستسلم لترحال دبي. حاولت أن أحب شقتنا الحالية .. أحاول بشكل يومي أن أتقبلها .. لكنني لست قادرة على جعلها بيتنا.. ربما لذلك ألجأ إلى كوستا كافيه .. ألجأ لمكان أقبله كما هو ولا أطلب منه المزيد..

 

     توجعني كعادتها فكرة البيت .. الفكرة الوحيدة التي تقودني لأن أشتاق غزة .. أسرح طويلاً في ما يمر بخاطري من الذكريات .. أسرح في العائلة والأصحاب والطعام الذي تعده أمي .. آه .. أكاد أشم رائحة بيتها الجديد الذي لم أراه حتى اليوم ..

 

     أفكر الآن في مغادرة المكان .. تغير الجالسون من حولي عدة مرات وأنا أراقب وجوههم العابرة .. حان دوري إذن لأرى الشارع وأنطلق بالسيارة كما خططت صباحاً.. لكنني سأعود كما دائماً إلى هذا الكافيه .. سأعود لأشرب اللاتيه وأراقب الناس وأفتح قلبي.

 

 

فرح برقاوي

 

كوستا كافيه/ دبي

الخميس 23/10/2008

12 ظهراً

 

 

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 اكتوبر, 2008 12:13 م , من قبل زينب الغنيمي

أيتها الفرح
أفرح عندما أقرأ داخلك الذي يعج بالحنين والألق الطفولي الممزوج بالحب,لعل مدونتك هذه تكون بيتابدأت تكونين جدرانه بمغزلك الرقيق حيث ترتص به الكلمات والمعاني الدافئة, وبهذا أنت تعلمت وصفتي السرية, فالمكان هو بداخلنا أينما ارتحلنا , لذا شعرت بالمقاربة في ذلك المقهى مع الأماكن الأخرى حيث قواسم مشتركة عنوانهاأنك قادرة اينما كنت على خلق عالم جميل حيث شرنقة الحب تلجين اليهاوتستمعي بالدفء انظري حولك في المكان ها أنت تشمين عطري وتلمع في عيونك ضوء شموع بيتنا بيوتنا اينما كانت.
زينب الغنيمي(أم فرح)غزة- فلسطين

اضيف في 10 نوفمبر, 2008 02:22 م , من قبل منار جداً
من لإمارات العربية المتحدة

كوستا..
أنا أيضاً أحبها
ليس فقط لأنها تعبرني ببعض الانتماء
لأنها أيضاً من الأماكن القليلة التي لم تختنق بخطيئة التطرف
.. معظم مقاهي دبي مريضة بتطرف القهوة يافرح

لكن كوستا.. كل شئ فيها معتدل
قد يكون مضحكاً ما سأقول
لكن كمية البن، مع كمية مناسبة من الماء
وكمية مناسبة من الحليب أو المبيّض
ونحصل على قهوة متناسقة.. مجرد رائحتها يغير فيّ يومي إن كنت أمر ببعض التعب

دائماً ما كانت تشبه عندي الحياة

قد يكون الفنجان بيتاً أيضاً
كما تفضلت زينب الغنيمي
يمكننا أن نحمل الأماكن معنا أيضاً.. يمكننا أن نحمل أي شئ مهما كبر..
كل يوم أدرك أن الإنسان أقوى من أي شئ يا صديقة
لكن إن أدرك هو ذلك!

اشتقت قراءتك يافرح
ولو أني تأخرت قليلاً

اضيف في 28 نوفمبر, 2008 12:28 م , من قبل dalia abu kmail
من فلسطين

حلووو جدااا ....
بتمنى تجتمعي تاني بأمك وترجعي لغزة وترجعي زكرياتك في كل مكان فيها بتحبيه ...
اشتقنالك وكل الأمكان الي بتحبيهااشتاقتلك كمان

اضيف في 26 ديسمبر, 2008 10:26 ص , من قبل ياسر حجازي

لم يكن لكوستا في القاهرة نفس الوقع على مجريات الحياة كما له عليها في دبي .. ولن يكون في مكان آخر إلا في ذكريات المرحلة المترامية المصائر يا عزيزتي.
افتحي قلبك لكل جديد.. ولا تيأسي فعناوين المنفى -وإن استراحت قليلا في كوستا- لا تنتهي.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية











القائمة البريدية
من سأبقى معهم على اتصال دائم
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك
ما تراه بيني وبينك

الإسم الأول
اسم العائله
عنوان البريد الاٍلكتروني
التعليق
 


Palestine Blogs - The Gazette